أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
223
فتوح البلدان
فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومئة كتب المنصور إلى صالح بن علي يأمره ببناء ملطية وتحصينها . ثم رأى أن يوجه عبد الوهاب بن إبراهيم الامام واليا على الجزيرة وثغورها ، فتوجه في سنة أربعين ومئة ومعه الحسن قحطبة في جنود أهل خراسان . فقطع البعوث على أهل الشام والجزيرة ، فتوافى معه سبعون ألفا . فعسكر على ملطية وقد جمع الفعلة من كل بلد فأخذ في بنائها . وكان الحسن بن قحطبة ربما حمل الحجر حتى يناوله البناء . وجعل يغدي الناس ويعشيهم من ماله مبرزا مطابخه . فغاظ ذلك عبد الوهاب فكتب إلى أبى جعفر يعلمه أنه يطعم الناس . وأن الحسن يطعم أضعاف ذلك التماسا لان يطوله ويفسد ما يصنع ويهجنه بالاسراف والرياء ، وأن له منادين ينادون الناس إلى طعامه . فكتب إليه أبو جعفر : يا صبي ! يطعم الحسن من ماله ، وتطعم من مالي . ما أتيت إلا من صغر خطرك وقلة همتك وسفه رأيك . وكتب إلى الحسن : أطعم ولا تتخذ مناديا . فكان الحسن يقول : من سبق إلى شرفة فله كذا . فجد الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطية ومسجدها في ستة أشهر ، وبنى للجند الذين أسكنوها لكل عرافة بيتان سفليان وعليتان فوقهما واصطبل ، والعرافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلا . وبنى لها مسلحة على ثلاثين ميلا منها ، ومسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات . وأسكن المنصور ملطية أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة لأنها من ثغورهم ، على زيادة عشرة دنانير في عطاء كل رجل ومعونة مئة دينار ، سوى ( ص 187 ) الجعل الذي يتجاعله القبائل بينها . ووضع فيها شحنتها من السلاح ، وأقطع الجند المزارع ، وبنى حصن قلوذية . وأقبل قسطنطين الطاغية في أكثر من مئة ألف فنزل جيحان ، فبلغه كثرة العرب فأحجم عنها . 494 - وسمعت من يذكر أنه كان مع عبد الوهاب في هذه الغزاة نصر بن مالك الخزاعي ونصر بن سعد الكاتب مولى الأنصار . فقال الشاعر :